الشيخ محمد جواد البلاغي

20

الهدى إلى دين المصطفى

ومن براعة العرب نصبهم الاسم على المدح ، وذلك لينبهوا الذهن إلى ما يريدون امتيازه عند السامع ليلتفت إلى مزيته وخصوصيته بنفسه لتكون إحالة الالتفات إليها على معرفته بها من نفسه ، أو كد في المدح والتنويه من البيان الصريح ، فينتبه الذهن بتغيير سياق الإعراب بحركة واحدة إلى ما لا يتنبه له بدون ولا يكفي في التنبيه عليه كثير من الكلام ، وهذا باب واسع نص عليه النحويون ، وأوردوا فيه الشواهد ، ومن ذلك قول الخرنق بنت عفان من بني قيس : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وعلى ذلك جاء في الآية الكريمة نصب ( الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) ، وذلك لأجل التنبيه على امتياز المتحلين بهذه الصفة التي عليها ابتني الثبات على الدين ، والإخلاص في العبادة ، والدوام على الطاعة والإقدام في نصرة الحق ، والاقبال على الله ، والبعد عن التمرد ، والسلامة من الضلال ، والعصمة من الارتداد ، فأولئك هم أعلام الهدى ، وحماة الدين ، ودعاة الحق ، فلله صبرهم ما أحلى ثمره ، وما أحسن في التوحيد أثره ، وما أبهى في الإسلام عاقبته : وهذا السنا الوضاح من ذلك السنا وهذا الشذا الفياح من ذلك الوادي وقال المتعرب ( ذ ص 73 ) ولا أدري لماذا استحق الصابرون هذا المدح ، ولم يستحقه الموفون بعهدهم ، مع أنهم مقدمون في النسق على أولئك ومع أن السورة نفسها متقدمة في النزول على سورة براءة التي سن فيها نبذ العهد ، وعلى سورة التحريم التي أحل فيها الحنث بالإيمان . أقول : قد نبهناك على علو مقام الصابرين المذكورين في الآية ، ولا يخفى عليك عظيم أثرهم في الدعوة والدين . وقد روى في المجازات النبوية قوله صلى الله على وآله وسلم : ( العم خليل المؤمن ، والحلم وزيره ، والعقل دليله ، والعمل قيمه ، واللين أخوه